ابن حزم

18

رسائل ابن حزم الأندلسي

إثبات الجواهر الأول الروحانية ، تسخير الجواهر الجسمانية السماوية والأرضية لتلك الجواهر الروحانية ؛ تلك هي أصول العلم الإلهي ، أما الفروع فهي كيفية نزول الوحي ، والجواهر الروحانية التي تؤدي الوحي ، وعلم المعاد « 1 » . ويكرر أبو الحسن العامري تصوّر الكندي للعلوم من أنها علوم هي آلة كالمنطق واللغة وعلوم مقصودة لذاتها ، إلا أنه أوضح وأصرح من الكندي حين يجعل العلوم الملية موازية للعلوم الحكمية من حيث إن كلا من الفئتين تقصد لذاتها ؛ ويعني بالعلوم الملية صناعات ثلاثا : صناعة الحديث وهي تشمل الأخبار والتفسير والتاريخ والحديث ، وصناعة الكلام ، وصناعة الفقه ، وصحيح أن العلوم الحكمية ( التي آلتها المنطق ) تختلف عن العلوم الملية ( التي تتخذ من اللغة آلة لها ) في المنهج فإحداهما قائمة على العقل والبرهان والأخرى على الخبر ، ولكن الاثنتين تتعاونان على بلوغ السعادة الأبدية وليس بينهما « عناد أو مضادة » . ولا بد من أن نلحظ هنا أن العامري يصرّح بالتكافؤ في قسمته الثنائية على غير ما جرى عليه الفارابي وابن سينا ، وأنه يلتقي مع إخوان الصفا حين يجعل « علم الأخبار والتاريخ » واحدا من العلوم الملية ( الشرعية ) « 2 » . تلك صورة للجهود النظرية التي بذلت في التصنيف حتى أوائل القرن الخامس الهجري ، وهي إذا وضعت موضع التطبيق العملي قد تتطلب تعديلا في مجالات مختلفة ، فهناك علوم قد تجد ولا يؤخذ لها حساب في المنهج النظري ( إلا أن يكون مرنا مثل منهج الفارابي ) ، وهناك علوم فرعية - في نظر أولئك المصنفين - ولكن العلم الفرعي قد يتسع مع الزمن ويكبر الاهتمام به حتى ليزاحم العلم الأصلي في أهميته وكثرة تفرعاته الجديدة ، وليس يغني كثيرا أن يقال إنه من الناحية الفكرية المحض فرع من العلم الطبيعي أو من العلم النظري مثلا . وقد تنبه الفارابي إلى شيء من هذا عندما عدّ علم الأثقال وعلم المناظر في صميم علم التعاليم ، بينما عدّهما ابن سينا علوما فرعية ؛ ولهذا كانت حاجة المصنف العملي إلى تسمية العلوم وعدّها أكثر من حاجته إلى تصنيفها ، مع عدم الخلط بين تيارين يبدوان متفاوتين في طبيعتهما . ولهذا عادت القسمة الثنائية تفرض نفسها أكثر من أية قسمة أخرى في هذا المجال وخاصة لدى الخوارزمي ( 387 / 997 ) وابن النديم ( 438 / 1047 ) .

--> ( 1 ) تسع رسائل : 110 - 116 . ( 2 ) الإعلام بمناقب الإسلام : 87 وما بعدها ؛ وانظر تصنيف العلوم لدى ابن حزم ، مقالة للدكتور سالم يفوت في مجلة دراسات عربية ( مارس 1983 ) ص : 63 - 64 .